الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
303
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً . عطف على الأمر بالتقوى والتنويه بالمتقين والعناية بهم هذا الوعد على امتثالهم بالنعيم الخالد بصيغة الشرط للدلالة على أن ذلك نعيم مقيّد حصوله لراغبيه بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات . و صالِحاً نعت لموصوف محذوف دل عليه يَعْمَلْ أي عملا صالحا ، وهو نكرة في سياق الشرط تفيد العموم كإفادته إياه في سياق النفي . فالمعنى : ويعمل جميع الصالحات ، أي المأمور بها أمرا جازما بقرينة استقراء أدلة الشريعة . وتقدم نظير هذه الآية في مواضع كثيرة من القرآن . وجملة قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً حال من الضمير المنصوب في يُدْخِلْهُ ولذلك فذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة بنفسها . والرزق : كل ما ينتفع به وتنكيره هنا للتعظيم ، أي رزقا عظيما . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ندخله بنون العظمة . وقرأه الباقون بالتحتية على أنه عائد إلى اسم الجلالة من قوله : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وعلى قراءة نافع وابن عامر يكون فيه سكون الالتفات . [ 12 ] [ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 12 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( 12 ) اسم الجلالة خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو اللّه . وهذا من حذف المسند إليه لمتابعة الاستعمال كما سماه السكاكي ، فإنه بعد أن جرى ذكر شؤون من عظيم شؤون اللّه تعالى ابتداء من قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [ الطلاق : 1 ] إلى هنا ، فقد تكرر اسم الجلالة وضميره والإسناد إليه زهاء ثلاثين مرة فاقتضى المقام عقب ذلك أن يزاد تعريف الناس بهذا العظيم ، ولمّا صار البساط مليئا بذكر اسمه صح حذفه عند الإخبار عنه إيجازا وقد تقدم قوله تعالى : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما في سورة مريم [ 65 ] ، وكذلك عند قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] ، وقوله : مَقامِ إِبْراهِيمَ في سورة البقرة [ 125 ] . فالجملة على هذا الوجه مستأنفة استئنافا ابتدائيا .